التكرار الاستهلالي
تكرار متعمد لكلمة أو عبارة في بداية جمل أو مقاطع متتالية.
آخر تحديثالتكرار الاستهلالي (Anaphora) أداة بلاغية تتكرر فيها الكلمة نفسها أو العبارة نفسها في بداية مقاطع أو جمل أو أسطر متتالية. ويخلق هذا التكرار المتعمد إيقاعًا وتوكيدًا واندفاعًا عاطفيًا، فتشتد الحدة مع كل مرة. والتكرار الاستهلالي من أقوى الأدوات في الخطابة والنثر معًا، لأن التكرار على مستوى البنية، أي في مطلع كل وحدة، يحدث أثرًا أشبه بقرع الطبل يدفع المعنى إلى الأمام بقوة متراكمة. وهو مألوف في الخطابة العربية وفي الشعر العربي قديمه وحديثه.
لعل خطبة مارتن لوثر كينغ الابن «لديّ حلم» (I Have a Dream) أشهر مثال على التكرار الاستهلالي في اللغة الإنجليزية، إذ تتصاعد العبارة المكررة من إعلان عن الأمل إلى رؤية غامرة للمساواة. وفي قصة مدينتين تُبنى الفقرة الافتتاحية لديكنز على التكرار الاستهلالي: «كان أحسن الأزمان، وكان أسوأ الأزمان، وكان عصر الحكمة، وكان عصر الحماقة» (It was the best of times, it was the worst of times, it was the age of wisdom, it was the age of foolishness). وفي الشعر تستعمل قصيدة آلن غينسبرغ عواء التكرار الاستهلالي مع كلمة «who» (الذين) لتصنع قائمة لا تهدأ بتجربة جيل كامل، تضيف كل مرة منها طبقة جديدة إلى الصورة. وفي الشعر العربي الحديث يفتتح محمود درويش مقاطع قصيدته «بطاقة هوية» بالنداء المتكرر «سجّل! أنا عربي»، فيتحول التكرار إلى إعلان هوية يشتد مع كل مقطع.
يكون التكرار الاستهلالي في أنجع حالاته حين يكون العنصر المكرر قويًا بما يكفي لاحتمال التكرار، وحين يضيف كل مقطع لاحق مضمونًا جديدًا حقًّا. فإن اكتفت المقاطع بإعادة قول الفكرة نفسها، بدا التكرار حشوًا لا قوة. واصعد به نحو ذروة: رتب مقاطعك بحيث يكون التكرار الأخير أعظمها شأنًا. وفي النثر الروائي، يحسن استعمال التكرار الاستهلالي باقتصاد، وادخاره للحظات العاطفة المتصاعدة أو الأهمية الثيمية. فالإفراط فيه يضعف أثره، وقد يجعل النثر أشبه بالخطبة منه بالسرد. وحين توظفه، فادّخره للحظات التي تستحقه.